أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم الملل والمذاهب المعاصرة ::. > ملتقى دراسة الملل والمذاهب المعاصرة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-May-2007, 12:09 AM   #1
عضو مؤسس
Question حزب التحرير والتضليل السياسي ..


فيما كنت متنقلاً عبر فيافي الشبكة وقفت على كتاب حديث عنوانه : ( حزب التحرير الإسلامي والتضليل السياسي ) لعدنان بن عبد الرحيم الصوص .

ذكر فيه الباحث أنه بذل جهداً كبيراً في إعداده ، حيث تتبع فيه كثيراً من مصادر ومراجع حزب التحرير حتى توصل إلى نتائج لايعرفها أغلب الباحثين –كما ذكر- وذلك لأن أفكار هذا الحزب قائمة على التزوير والتغرير مع استغلال أسلوب الشد الفكري والعاطفي.

ولأهمية الوقوف – في نظري - على آراء مثل هذا الحزب ونحوه من أصحاب الأفكار والانحرافات والشبهات ومناقشتها والرد عليها من قبل المتخصصين في مجال العقيدة والمذاهب المعاصرة فإني أعرض لبعض ما جاء في هذا البحث مع إحالة النظر في بقيته إلى موقع الراصد .


الدراسات النقدية السابقة للحزب :
لكي يتوصل الدارسٍ لحقيقة حزبٍ أو جماعة ٍما، يجب عليه أن يعتمد في ذلك على جمع ودراسة الإرث الذي تركه ذلك الحزب أو تلك الجماعة، وتحليله تحليلاً علمياً بعيداً عن العاطفة. ولا يجوز للدارس الوصول إلى النتائج وإصدار الأحكام على الأحزاب أو الجماعات، من خلال التقليد الأعمى لما قرأه أو سمعه عن ذلك الحزب أو تلك الجماعة، سواء كان ذلك عن شيخه أو جماعته أو حزبه.

وعليه، فقد اعتمدت هذه الدراسة على الإرث الذي تركه حزب التحرير في الأمة ولا يزال، فقد اعتمدنا أولاً الكتب المتبناة ( التي اختارها الحزب وألزم أفراده بقبولها واعتقادها، ورتب على ذلك طرد العضو المخالف لها من الحزب) ، التي كتب عليها من منشورات حزب التحرير؛ أمثال: ((مفاهيم سياسية))، و((نظرات سياسية))، و((النظام الاجتماعي في الإسلام))، و((النظام الاقتصادي في الإسلام))، و((نظام الإسلام))، و((الخلافة))، و((نظام الحكم في الإسلام))، و((التفكير))، بالإضافة إلى كتاب ((الشخصية)) والمنشورات الصادرة عن الحزب التي جمعها الحزب في ملفات خاصة، تحت عناوين منها: (النشرات السياسية، والنشرات الفكرية،...)، وهي متوفرة لدى أغلب المنتمين للحزب، ومنشورة على موقع الحزب في شبكة الإنترنت، ولم تعتمد هذه الدراسة مجلة الوعي الناطقة بلسان حزب التحرير، إلا نادراً ـ وللاستئناس ـ فقط كونها غير مُلزِمَة لأفراد الحزب.

لقد تناول الكثيرون من الكتّاب ((حزب التحرير)) بالدراسة والنقد، وصل ببعضهم إلى حد التجريح والاتهام. وعلى الرغم من أن هؤلاء الدارسين لحزب التحرير لم يكتشفوا حقيقة الحزب وباطنه، أو لم يصلوا إلى الحقيقة التي بنى عليها نظراته وتحليلاته ومفاهيمه السياسية، نجد أنهم قد أصابوا الحزب في بعض مقاتله وأثاروا الشكوك حول ماهيته وخلفيته، حتى عدّه بعضهم من الأحزاب المشبوهة كما خلصت إليه دراسة محمد الحسن في كتابه: ((المذاهب والأفكار المعاصرة في التصور الإسلامي)) ((ص 159، ط/1،عام 1986) .

وقد نقل الحسن عن الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رأيه في حزب التحرير (ص169) الذي يقول فيه: ((هكذا ولا ريب يفكر ذلك الأجنبي الواغل وهو يحكم من وراء صفوف هذه الجماعة، ويقذف إليهم بأفكاره عن الإسلام تباعاً)).

أما الأستاذ غازي التوبة فقد توصل إلى أن انحراف حزب التحرير الفكري: ((أبعده عن ثلثي الإسلام، إن لم نقل عن كل الإسلام)) ((الفكر الإسلامي المعاصر))، ، (ص 195)، ط/3، عام (1977).، بل قد ذهب إلى الارتياب بالحزب بعض الأفراد من حزب التحرير، حين بدأ نائبه في مجلس النواب الأردني في أوائل الخمسينات من القرن الماضي يلقي البيانات السياسية سياسية بحتة، فرد عليهم الحزب، وشنع عليهم (نشرة أسئلة وأجوبة صدرت في 22 من ربيع الثاني سنة 1390هـ، الموافق 26/6/1970م.).

وكانت مجمل انتقادات هؤلاء للحزب بعيدة جداً عن فهم جوهر الحزب والهدف الذي أسس لأجله؛ فنراهم قد درسوا الحزب من الناحية العقيدية أو الاجتماعية أو الفقهية أو الحديثية أو الأصولية، أو أنهم تعرضوا بالنقد لمنهج حزب التحرير في التغيير، وهذا كله حسن ومطلوب. وكل ما ذكروه من نقد في هذا الباب، يضع علامة استفهام حوله، كقوله بجوازه قبلة الرجل للمرأة الأجنبية، والنظر إلى الصور العارية، وقوله بضرورة تغيير الحكام دون المجتمع لإقامة الدولة الإسلامية، وموافقته للجهمية في تعريف الإيمان، والمعتزلة والأشاعرة في كل من: الأسماء والصفات، ورد خبر الآحاد في مسائل الاعتقاد وأمثالها، ومنهجه الضال في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، فهو يعتبر الحديث صحيحاً إذا صححه الحزب، بغض النظر عن دراسة السند، وكذلك الفتاوى الغريبة الأخرى عن الإسلام.

وقد دارت نقاشات موسعة ومطولة في العقود الماضية من القرن العشرين، حول هذه الموضوعات التي أثار بها هذا الحزب أمة الإسلام، حتى اهتزت سمعته في العالم الإسلامي خاصة في السنوات الأولى من عمر الحزب. وكادت أن تصبح كلمة (تحريري) شتيمة، بل أصبحت. ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ هذا ما سنجيب عنه في الصفحات القادمة .

مؤسس ((حزب التحرير الإسلامي))

من المقرر بين أهل العلم أن صلاح الفكر أو المنهج لأي مدرسة أو جماعة أو حزب مرتبط بصلاح وسلامة فكر وعقيدة المؤسس لهذا الفكر أو المنهج، ولذا كانت معرفة خلفية مؤسس حزب التحرير من أهم الوسائل التي تساعدنا على تقييم صحة وسلامة منهج الحزب وأفكاره.

أسس هذا الحزب الشيخ تقي الدين النبهاني (1908 ـ 1977) وهو فلسطيني، من مواليد قرية إجزم ـ قضاء حيفا بفلسطين. تلقى تعليمه الأولي في قريته، ثم التحق بالأزهر ثم دار العلوم بالقاهرة، وعاد ليعمل مدرساً فقاضياً في عدد من مدن فلسطين.

عايش النبهاني أحداث القضية الفلسطينية منذ مراحلها الأولى، والدور الذي لعبته بريطانيا لتوطين اليهود في فلسطين. ومؤامرات الدول الشرقية الاشتراكية المتمثلة بتقديم الدعم المادي والمعنوي لإقامة دولة إسرائيل، وفرض قرار التقسيم، كما شهد النبهاني الصراعات الفكرية المتناقضة على الساحة الفلسطينية. و في هذا الجو المشحون بشعارات الأيدولوجيات الاشتراكية الرامي إلى طرد الاستعمار الغربي من الأراضي العربية، والشعارات الزائفة لتحرير فلسطين من اليهود عاش الشيخ تقي الدين وترعرع، متأثراً بالحركات القومية اليسارية. فتراه قد انضم إلى (كتلة القوميين العرب) اليسارية([1]).

وقد أكدت ((الموسوعة السياسية)) للكيالي، في تعريفها لـ (حركة القوميين العرب)، نسبتها إلى الخط الاشتراكي الماركسي اللينيني. ويذكر الدكتور أحمد الموصللي تبني الشيخ تقي الدين النبهاني لـ (عقيدة حزب البعث لفترة من الوقت)([2]) قبل تأسيس حزب التحرير الإسلامي.

وقد أكد نزعة الشيخ (تقي الدين النبهاني) القومية، رفيق دربه، وزير الأوقاف الأردني السابق، الدكتور عبد العزيز الخياط([3]) حيث قال عنه: ((وكان حديثه ضبابياً، إذ كان يدعو إلى العروبة أكثر من دعوته إلى الإسلام)). وبعدها بقليل، أشار الخياط إلى قيام النبهاني بكتابة رسالة بعنوان: ((رسالة العرب)). ثم قال بخصوص فكرته لتشكيل جماعة إسلامية واحدة: ((كان همّي ـ أي الخياط ـ العمل على توحيد الفكرتين: عند النبهاني (القومية)، ولدى الإخوان المسلمين (الإسلامية)ا هـ.

هذه الخلفية اليسارية للشيخ تقي الدين النبهاني قد أثرت كثيراً ـ وبلا ريب ـ في مفاهيمه ونظراته وتحليلاته السياسية والشرعية، فخرج برنامج حزب التحرير السياسي وأفكاره عن المحجة البيضاء، وبرمج برمجة سياسية ضلالية، وانعكس ذلك على كل من أخذ عنه أو تأثر بفكره.

الشيخ تقي الدين النبهاني ومحاولة الانقلاب الفاشلة
وقد ذهب الشيخ (تقي الدين النبهاني) إلى أبعد من الاكتفاء بنشر الأفكار المتأثرة بالفكر الاشتراكي، إلى التعاون مع الاشتراكيين البعثيين للقيام بانقلاب ضد الملك عبد الله الأول، مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية.

فقد ذكر عبد الله التل عن مشاركة النبهانى في الانقلاب الفاشل الذي رتبه بالتعاون مع القيادة المصرية والقيادة السورية بقوله :

((فاخترت شخصين كانا موضع ثقتي، وتربطهما صداقة متينة وهما: السيد عبد الله الريماوي، والشيخ (تقي الدين النبهاني). وحمّلتهما جواز سفري السياسي ليقدماه للزعيم حسني الزعيم، كإشارة متفق عليها بيننا، وتحرك الرسولان إلى دمشق في 7/5/1949، بحجة شراء ورق لجريدة البعث))([4])، انتهى.

قلت: هذه الصداقات التي كانت تربط النبهاني برموز الفكر الاشتراكي، واعتناقه لعقيدة البعث الاشتراكي، قبل تأسيسه لحزب التحرير هي السبب الذي أدى إلى تأثره بالفكر السياسي الاشتراكي، أي في التحليلات والنظرات والمفاهيم السياسية الاشتراكية المنطلقة من جوهر نظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ، بحيث أدى ذلك إلى تتطابق وجهات النظر السياسية الشيوعية، مع تلك الصادرة عن حزب التحرير التي بثها في كتبه ونشراته فيما بعد، سواء شعر بذلك أم لم يشعر!

وبهذا فتح النبهاني الباب لدخول الضلالات السياسية الاشتراكية اليهودية إلى العالم الإسلامي بقوة رهيبة، من خلال اختراقه في البداية للإخوان المسلمين، ومن ثم المسلمين عامة، وكان آخرهم قلعة الفكر السلفي، ممثلة ببعض فئاتها وأفرادها. فجعل منهم (غثاء كغثاء السيل)، إلا من رحم ربي.

تعريف حزب التحرير :

أعلن عن تأسيس حزب التحرير الإسلامي عام 1953م([5])،ويعرّف حزب التحرير نفسه بأنه:

((حزب سياسي مبدؤه الإسلام، فالسياسة عمله، والإسلام مبدؤه، وهو يعمل بين الأمة ومعها لتتخذ الإسلام قضية لها، وليقودها لإعادة الخلافة بما أنزل الله إلى الوجود.وحزب التحرير هو تكتل سياسي، وليس تكتلاً روحياً، ولا تكتلاً علمياً، ولا تكتلاً تعليمياً، ولا تكتلاً خيرياً، والفكرة الإسلامية هي الروح لجسمه، وهي نواته وسر حياته))([6]) اهـ.

نعم، حزب التحرير: هو تكتل سياسي، وليس تكتلاً روحياً، ولا تكتلاً علمياً، ولا تكتلاً تعليمياً، ولا تكتلاً خيرياً، وبهذا التعريف حدد الحزب حقيقة نفسه وهويته، بأنه حزب سياسي بمعنى الكلمة. وقد أكد الحزب على هذا المعنى في التعريف الأصرح والأوضح الذي عَرّف به نفسه، فقال:

((إن حزب التحرير ـ وهو حزب إسلامي من حيث مبدؤه ـ ليس حزبا إسلامياً كالتكتلات الإسلامية فهو لا يعلم الناس الإسلام، ولا يدعو المسلمين للإسلام، ولا يعظ الناس بالإسلام، فالإسلام مبدؤه وليس عمله، والإسلام أساسه وليس صفته. فهو يتولى السلطة حين يتاح له أن يتولاها ليرعى شؤون الناس فعلاً، ويحاسب السلطة في جميع الأحيان، سواء أكان في الحكم أو خارج الحكم، فعمله كله محصور بالسياسة، إما عملياً بمباشرتها، وإما نظرياً بمحاسبة الحكام على أساس الإسلام([7]) اهـ.

الذي يعنينا في هذا التعريف هو: بيان أن حزب التحرير لا يهتم أبداً بتعليم الناس الإسلام، لأنه ليس تكتلاً علمياً، ولا يعظ المسلمين بالإسلام لأنه ليس تكتلاً روحيا، ولا يدعو المسلمين إلى الإسلام لأن الإسلام ليس عمله، ولأن الإسلام ليس صفته، كما عرَّف النَّاس بحقيقة نفسه. إنما هو حزب سياسي محض. فقد اعتبر عودة الحزب إلى الدين والفقه، من الفتن التي واجهت الحزب أثناء سيره السياسي فقال:

((إن الحزب قد جرت ثلاث محاولات لفتنته عن حقيقته بجره عن السياسة إلى الدين والفقه. فإنه لما بدأ نائبه في مجلس النواب الأردني يلقي البيانات السياسية سياسية بحتة، ضج بعض المتألهين من شباب الحزب وغيرهم متسائلين: أين الإسلام في هذه البيانات ؟! وأين العقائد والأحكام في مناقشات حزب التحرير في البرلمان؟!

ثم إنه ما اندفع الحزب في التعليقات الأسبوعية والتعليقات السياسية، صاح الكثيرون من شباب الحزب وغيرهم قائلين: لقد انحرف الحزب عن طريقته، فلم يعد حزباً إسلامياً كسائر الأحزاب، وصاروا يحاولون إرجاع الحزب عن السياسة وعن النشرات السياسية ليعود لنشرات حكم الإسلام وللنقاش في أحكام الشرع.

ثم إنه لما بدأ يهاجم أشخاص الحكام ويحصر نشراته بالتعرض لأعمالهم، ويحصر ضرب العلاقات بعلاقات السلطة مع الأمة، هال الكثيرون من الشباب وغيرهم أن يهاجم الحزب الأشخاص وأن يكشف أعمالاً معينة لحكام معينين، وقالوا صار الحزب يسب ويشتم، وشغل الحزب عن الأفكار بالأشخاص وعن الإسلام بالحكام، وحاولوا إعادته لنشرات الإسلام، وإبعاده عن التعرض لأشخاص الحكام.

هذه الفتن الثلاث، قد تغلب عليها الحزب ليس بالتصدي لدحضها، ولا بقبول النقاش بها، بل مضى بالبيانات السياسية وبالأعمال السياسية، ومضى يضرب الأيدي التي تقبض على السلطة ضربات قوية متتالية ليحطم أضلاعها وإزالة هيبتها وإطماع الناس بها، وحافظ على حقيقته الحزبية بأنه حزب سياسي ولا عمل له إلا السياسة، ولم تستطع هذه الغيرة المغلوطة وإن كان أصحابها صادقين، أن تزحزحه قيد شعرة عن هويته، ولا أثرت قيد أنملة عن واقع شخصيته))([8])، انتهى.

إذن هذه هي حقيقة حزب التحرير، وهذا هو واقع شخصيته، ((حزب سياسي، ولا عمل له إلا السياسة)).

ونحن نتساءل: هل يُعتبر جَرّ الحزب عن السياسة إلى الدين والفقه من الفتنة؟ هل يُعتبر إرجاع الحزب عن السياسة وعن النشرات السياسية، ليعود إلى حكم الإسلام وللنقاش في أحكام الشرع من الفتنة؟ هل إعادة حزب التحرير إلى نشرات الإسلام من الفتنة؟

وبناء على ذلك، هل الأعمال السياسية، التي يخشى حزب التحرير أن يرجع عنها، أو أن يُجَرّ عنها، أو أن يعود عنها، من الدين والواقع، أم أنها من خارج الدين والواقع؟

فإن كانت هذه الأعمال السياسية من الدين والواقع، ففيمَ الخشية من أمر هو من الدين والواقع؟ وإن لم تكن من الدين والواقع، فقد كشف الحزب عن حقيقته، وانسجم مع قوله: ((فالإسلام مبدؤه وليس عمله، والإسلام أساسه وليس صفته))، أي: أن صفته السياسية غير إسلامية.

ونحن نتساءل كذلك: هل تعليم الناس الإسلام، أو دعوة المسلمين إلى الإسلام، أو وعظ المسلمين بالإسلام، يتعارض مع الأعمال والمفاهيم والنظرات السياسية التحريرية؟

فما هي طبيعة هذه الأعمال السياسية التي تتعارض مع الإسلام؟ وهل الأعمال السياسية التي يدعوا إليها حزب التحرير شيء، والإسلام شيء آخر حتى خشي على هويته السياسية من التأثر إن ترك العمل بها؟

وإذا كان مبدأ حزب التحرير الإسلام حقيقة، وإذا كانت الفكرة الإسلامية هي الروح لجسمه، وهي كذلك نواته وسر حياته كما يزعم، فكيف يضيق ذرعاً بالرجوع إلى نشرات الإسلام، أو إلى الدين والفقه، أو إلى العقائد والأحكام؟

وما هي حقيقة هذه الهوية السياسية التي تضيق ذرعاً بالدعوة إلى الإسلام أو بالوعظ بالإسلام أو بتعليم الناس العقائد والأحكام؟!

ولم يكتف حزب التحرير بإهمال الإسلام دعوة وتعليماً ووعظاً، بل شن هجوما غريباً له دلالة فاضحة على الفتاوى الشرعية والمفتين، بحجة الخوف من الخروج عن هويته السياسية، إذا سلك شبابه طريق الفتوى، فقال: ((وإنه بغض النظر عن كون الفتاوى أحط أنواع الفقه، وبغض النظر عن كون مجرد وجود كلمة مفتي بما لها من واقع، هي انحطاط في المجتمع))([9]).

واعتبر تحول الحزب إلى صورة المفتي ((مسخا للحزب))!!!

هذا هو رأي حزب التحرير بالفتاوى الشرعية، فما هو رأينا بفتاوى حزب التحرير السياسية؟

هذه الأسئلة وغيرها ستجد ـ أخي القارئ ـ الإجابة عليها مبثوثة في طيات هذا الكتاب. مذكرين أنه في الوقت الذي صرح به حزب التحرير بهذا الكلام سنة (1970)، كانت الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى العودة إلى الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً. وكان أهل فلسطين خاصة وبلاد الشام عامة يواجهون الغزو اليهودي المباشر وغير المباشر، ومنه المد الاشتراكي المدمر. فكان على حزب التحرير إن كان صادقاً في دعوته لإحياء الإسلام في الأمة، أن يبدأ بتربية المسلمين على الإسلام ونظامه وأخلاقه، كي تستحق النصر والتمكين في الأرض، انطلاقا من قوله تعالى: )إن الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم(. والوقوف ضد الغزو الفكري الاشتراكي الشيوعي الذي أدى إلى غسل عامة الأدمغة العربية والإسلامية، وتوجيهها لخدمة المشروع الشيوعي اليهودي الرامي للسيطرة على بلاد الإسلام والمسلمين.

تصدع حزب التحرير وانشقاقه :

يتميز حزب التحرير عن باقي الأحزاب أو الجماعات الإسلامية الأخرى بأنه حزب سياسي بمعنى الكلمة مبدؤه الإسلام لكنه لا يدعو له، كما يقرر ذلك في كتبه ونشراته.

وبهذا استطاع حزب التحرير أن يتجاوز أزمة التشكيك التي أصابته في هويته فيما بعد، من خلال إثبات نفسه بصفته حزباً سياسياً، وصاحب الوعي السياسي الكامل ـ حسب زعمه ـ.

ومما ساهم في رواج أفكار حزب التحرير، انتشار مقولة في أوساط الدعاة الإسلاميين، وخاصة بين طلاب الجامعات، في عقدي السبعينيات والثمانينيات، من القرن الماضي، تقول: ((على الداعية المسلم أن يكون سلفياً في العقيدة، إخوانياً في الحركة، تبليغياً في الدعوة إلى الله، وتحريرياً في السياسة)).

فأدى ذلك إلى تهافت الناس على قبول مفاهيم، ونظرات، وتحليلات حزب التحرير السياسية. حتى انتشرت في الناس، وقد ساعد على ذلك كذلك، نظرات ومفاهيم وتحليلات اليساريين عامة: من الاشتراكيين, والشيوعيين، والبعثيين، والناصريين، والتي ينشرونها من خلال سيطرتهم الكبيرة على وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، والتي لا تكاد تفرق بين مقولات هؤلاء اليساريين السياسية ومفاهيمهم، وبين تلك الصادرة عن حزب التحرير، إلا فيما اقتضاه الخطاب التحريري المزوق ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تكون غالباً في غير موضعها، وذلك لإظهار المسحة الإسلامية على تلك الضلالات والأكاذيب السياسية، التي نحن بصدد الكشف عن بعضها.

استمر الحزب نحو أربعة عقود مضت منذ تأسيسه، متماسكاً في وحدة كلمته فيما يبدوا للناظر من الخارج، وكان مضرب المثل في ذلك بين الجماعات الإسلامية الأخرى، التي أصابها الانشقاق والتصدع في وقت مبكر من عمرها.

إلا أن هذا الحزب تعرض أخيراً لما تعرضت له الجماعات الإسلامية الأخرى من الانشقاق والتصدع، وكان ذلك بعد سياسة إعادة البناء ((البيروسترويكا)) الشيوعية بقليل، أي بعد عام 1990م. وتجسد هذا التصدع بخروج حركتين: (حركة المهاجرين)، بزعامة عمر البكري، ومقرها لندن. وأخرى في الأردن انشقت عن الحزب سُميت بـ (الحركة التصحيحية لحزب التحرير)، فقامت بإصدار نشرات خاصة بها، منها نشرة بتاريخ 12رمضان 1424هـ، تحت عنوان: ((بيان من الحركة التصحيحية لحزب التحرير)) جاء فيها:

((نحن في الحركة التصحيحية لحزب التحرير نعلن للأمة ولشباب حزب التحرير أننا تنازلنا عن الأفكار التالية حتى يكون الحزب مجرداً ومبرءاً للذمة)).

وقد تنازل الحزب في هذا البيان عن (31) مسألة من مختلف المسائل التي كان الحزب يتبناها. وبعد دراسة هذه المسائل وجدنا حولها الملاحظات التالية:

- لم تمس هذه التنازلات جوهر نظرية حزب التحرير السياسية في مفاهيمها ونظراتها وتحليلاتها البتة.

- تركزت التنازلات على النقاط التي أثارها الدارسون والمنتقدون للحزب وخصوصا انتقادات الصف السلفي، كما جاء في كل من النقاط التالية:

1- النقطة رقم (1): تنازلنا عن إنكارنا لصحبة معاوية بن أبي سفيان وشتمنا وجرحنا له، ولمن معه من الصحابة. قلت: ويذكرنا هذا الموقف من معاوية t، بموقف الشيعة الرافضة الإثني عشرية منه.

2- النقطة رقم (2): تنازلنا عن كون القرشية شرط أفضلية لا شرط انعقاد لوجود الإجماع القطعي والحديث المتواتر على كونها شرط انعقاد.

3- النقطة رقم (16): تنازلنا عن التبني في العقائد، وبعض العبادات، فإذا كان إجبار الكفار على الإسلام يسبب لهم حرجاً، فمن باب أولى للمسلمين. فليترك المسلمون وما يعتقدون حسب مذاهبهم واجتهاداتهم.

4- النقطة رقم (18): تنازلنا عن طلب من يلتحق بالحزب أن يتبنى ما يتبناه الحزب، وان يترك رأيه لرأي الحزب، ولو لم يكن مقراً بصحته، أو لو كان على يقين من خطأ الحزب، ولو كان هذا الشخص مجتهداً، وخصوصا في الفروع الظنية، لأن هذا معناه: حمل الناس على رأي واحد، ولم يحصل ذلك على مر العصور إلاّ للخليفة فقط، وتنفيذاً دون الدعوة إليه. وكما أن الحزب ليس خليفة.

5- النقطة رقم (23): تنازلنا عن فكرة تحريم النقابات والجمعيات الخيرية، وتحريم اشتراك الشباب فيها، لأنه لا يوجد دليل يحرمها، بل هناك أدلة تجيزهـا.

6- النقطة رقم (24): تنازلنا عن فكرة عدم إطعام الأيتام والمساكين، أو المنكوبين بحجة أننا لسنا جمعية خيرية، أو بحجة مخالفة المتبنى.

7- النقطة رقم (25): تنازلنا عن فكرة اتهام الآخرين بالخيانة، أو العمالة من غير بينة لمجرد الشبهة، أو بحجة التعاون مع الكفار، علماً أنه يجوز شرعاً التعامل مع الدول الكافرة، كشراء السلاح منها.

8- النقطة رقم (26): تنازلنا عن حمل الناس على آرائنا، وإنزالهم عندهـا، ولو قسراً كما حصل في مسألة وحدة المطالع في الصوم والإفطار، لان هـذا من عمل دولة الخلافة، لا من عمل الأفراد، ولو كانوا أحزاباً وجماعات.

9- النقطة رقم (28): لا بد من الاهتمام والتركيز على النواحي الروحية لدى شباب الحزب، لصقل نفسياتهم وإعدادهم ليكونوا مستحقين للنصر. كإلزامهم قراءة القرآن، وإلزامهم أداء النوافل، وعدم تركها.

10- النقطة رقم (29): تنازلنا عن كل فكر أو رأي ليس له علاقة بالطريقة وبأحكام السير، كحكم الكالونية والسبيرتو، والقُبلة، أي قبلة الرجل للمرأة الأجنبية، والمُصافحة، والنظر إلى الصور العارية، وروث الحيوان، وأحكام الطوافين، وعورة الرجل والمرأة، وأحكام الإجارة والاستصناع، والشركات، والبيوع، والنظر إلى المخطوبة، والنقاب، والنكاح بولي، أو بغير ولي، ومسألة سجن ناكح محارمه بدلاً من قتله، ومسألة الإيمان يزيد وينقص، ومسألة الجاسوس وسائر الأحكام العقائدية، إلى غير ذلك من العقائد التي لا يقدم وجودهـا ولا يؤخر عدمـه في سير الحزب السياسـي مطلقـاً، بل يمكن أن تعيقه وتشغله في جدل مذهبي أو فقهي له أول وليس له آخر، كما هو حاصل بين شباب الحزب وبين أبناء الحركات الأخرى، فليترك الشباب ومـا يتمذهبون، وليترك الناس معهم طالما لا يؤثر على أحكام السير وطريقة إقامة الدولة.

11- النقطة رقم (30): تنازلنا عن اعتبار المتبنى رابطاً بين أفراد الحزب، لأن اعتباره رابطاً دون العقيدة الإسلامية، فيه دعوة إلى الطبقية، وهذا ما جعل الأمة تجفانا وتخالفنا في معظم ما تبناه الحزب إن لم يكن جميعه.

12- النقطة رقم (31): وفيها مجموعة من المخالفات الحزبية في طريقة الاستنباط، ومخالفات أخرى لأصول الحزب، قد بلغت (14) نقطة، لا بد من تعديلها، كما ذكر.

ومن الملفت للنظر، ما جاء في النقطة رقم (29)، حين اعتبر الحزب التنازل عن كل فكر، أو رأي، ليس له علاقة بالطريقة، وبأحكام السير، كمسائل العقيدة، والفقه، والمعاملات، تنازلاً لا يقدم وجودها، ولا يؤخر عدمه، في سير الحزب السياسي مطلقا، بل يمكن أن تعيقه، وتشغله في جدل مذهبي، أو فقهي له أول وليس له آخر، كما هو حاصل بين شباب الحزب، وبين أبناء الحركات الأخـرى!!!

هذه النقطة تكشف لنا عن السر في انشقاق الحزب. ونحن لا نستبعد أن يكون هذا الانشقاق صورياً مفبركا. يقصد منه وضع شَرَكٍ جديد لأفراد الحزب الذين قد بدأوا يقتنعون ـ بتأثير من الانتقادات الموجهة ضد الحزب ـ ببعد أفكار حزبهم في كثير من القضايا عن مفاهيم الإسلام، مما يدفعهم إلى الانسحاب من الحزب.

وعليه، جاءت فكرة هذه الحركة التصحيحية لتتلقف أولئك الشباب المتشككين لتعيدهم مرة أخرى إلى الحزب من الباب الذي قد خرجوا منه. وبهذا، يستطيع الحزب أن يحافظ على رأس ماله. وهذا الشّرَك الجديد نصب كذلك لأولئك الأفراد من خارج الحزب الذين اعتقدوا، بواقعية حزب التحرير في تحليلاته السياسية، حالت بينهم وبين الدخول فيه، المسائل الغريبة عن الإسلام في مجالات، العقيدة والفقه والأصول التي يتبناها الحزب، فجاءت هذه الحركة التصحيحية الجديدة للحزب بهذه التنازلات، لجذب العامة من خارج الحزب إليه، وخصوصاً أصحاب الفكر السلفي
و من هنا تأتي أهمية الكتابة والكشف عن الحقيقة السياسية والطريقة التي يتبناها الحزب ....



--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ((القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين من 1917- 1948)) ، تأليف: بيان نويهض، (ص900)، طبعة بيروت، (1981).

([2]) ((موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا))، (ص397)، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية.

([3]) مجلة ((الوسط))، العدد(180) بتاريخ 10/7/1995م، (ص33).

([4] ) ((كارثة فلسطين))، تأليف عبد الله الريماوي (1/591).

([5] ) عن كتاب ((حزب التحرير)) وهو من الكتب المتبناة، صدر في 20 شعبان 1405هـ، الموافق 9/5/1985م، وقد بدأ النبهاني نشر فكره قبل تأسيس الحزب ببضع سنوات، لأن الشيخ تقي الدين النبهاني كان يلقي دروساً سياسية لشباب الإخوان المسلمين، أيام حسن البنا الذي قتل في 12/2/1949.

([6] ) عن كتاب ((حزب التحرير)) صفحة (5)، وهو من الكتب المتبناة، صدر في 20 شعبان 1405هـ، الموافق 9/5/1985م. وهذا التعريف هو المعتمد في موقع الحزب على الأنترنت.

([7]) نشرة جواب على سؤال، بتاريخ 22 ربيع الثاني سنة 1390هـ، الموافق 26/6/1970م.

([8]) نشرة جواب على سؤال، بتاريخ 22 ربيع الثاني سنة 1390هـ، الموافق 26/6/1970م.

([9] ) نشرة جواب على سؤال، بتاريخ 22 ربيع الثاني سنة 1390هـ، الموافق 26/6/1970م.

التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رياض العُمري غير متصل  
قديم 05-May-2007, 10:11 AM   #2
عضو مؤسس
افتراضي

عودا حميدا ياشيخ رياض ...
فقد اشتقت لكتابتك ، ومشاركتك لنا في ملتقى الجميع( الملتقى العلمي للعقيدة والمذاهب المعاصرة)
وجزاك الله خيرا على طرق هذا الموضوع المهم .

التوقيع
[IMG]http://www.alsaqr.com/tawqee3/sob7ank.gif[/IMG]
سعد الماجد غير متصل  
قديم 05-May-2007, 02:24 PM   #3
عضو متميز
افتراضي

الحمد لله على السلامة يا شيخ رياض ، كدت أن تنسى ، ولو أن لك مالا ً في هذا الملتقى لجرت عليه أحكام تركة المفقود .

ولدي سؤال : ما سر هذا الأصرار على تصغير خط الكتابة ، هل الموضوع للجادين فقط ؟

محمد الغانم غير متصل  
قديم 08-May-2007, 12:30 PM   #4
عضو مؤسس
Smile


شكراً لك ياشيخ سعد على مرورك وحسن ظنك ، واعتذر لما حصل من تاخير بسبب موانع اسأل الله أن تزول قريباً .
والشكر موصول لك ياشيخ محمد على مرورك وأرجو أن أكون قد تركت تركة لاتقسم .
وللمشاركات بقية إن شاء الله ...

التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رياض العُمري غير متصل  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 12:53 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir