أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
آخر 10 مشاركات : تفسير الدكتور النابلسي الجزء السادس كتاب تقلب صفحاته بنفسك ( آخر مشاركة : - )    <->    Thumbs up أسباب معينة على ترك المعصية والإصرار عليها للإمام ابن القيم ( آخر مشاركة : - )    <->    ما معنى الشيء المطلق ومطلق الشيء؟ ( آخر مشاركة : - )    <->    حكم الانتماء القبلي ؟ ( آخر مشاركة : - )    <->    حكم الشرع في أسرى الحرب ( آخر مشاركة : - )    <->    كثير من الناس يظنون أن للشيطان دخل في نومهم من عدمه.فهل هذا طعن في التوحيد؟ ( آخر مشاركة : - )    <->    هل محبة لا عبي الكرة وغيرهم من الكفار تدخل في باب الموالاة ؟ ( آخر مشاركة : - )    <->    معيار البدعة (ضوابط البدعة على طريقة القواعد الفقهية) - محمد بن حسين الجيزاني pdf ( آخر مشاركة : - )    <->    أمن البلاد أمل العباد - علي بن حسن الحلبي pdf ( آخر مشاركة : - )    <->    أسماء الله الحسنى ومعنى مختصر تسهيلا للحفظ. ( آخر مشاركة : - )    <->   
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم الملل والمذاهب المعاصرة ::. > ملتقى دراسة الملل والمذاهب المعاصرة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-Jan-2010, 08:27 PM   #1
عضو متميز
افتراضي الصوفية بين الدين والفلسفة - 3- (الفرق بين الزهد والتصوف)

  الفرق
بين الزهد والتصوف

الفرق بين الزهد والتصوف

اعتبر الكثير ممن كتب في التصوف أنه امتداد للزهد على اعتبار أن الزهد أكثر ما كان،كان في المأكل والملبس والمتاع، والتقى بذلك مع التصوف الذي زعم أهله أن لبسة الصوف من الزهد باعتبار غلظها ورائحتها، وتقللوا من الطعام حتى أَعلمَ الراهب سمعان إبراهيمَ بن أدهم( ) أنه كان يعيش كل يوم على حُمُّصة( ) ثم ركزت بعض الطرق الصوفية على التقلل من الطعام تحديداً وتسمت بأسماء لها علاقة بذلك مثل فرقة (الجوعية) كما ذكر الكلاباذي في التعرف( ) لأن الهدف الأساس عندها هو مجاهدة النفس في هذا الاتجاه. ولعل مثل هذا الربط ما دفع بعض الباحثين لأن يروا أن التصوف هو امتداد للزهد. ومن هؤلاء عمر رضا كحالة الذي قال: إن إطلاق الصوفي والمتصوف بادئ الأمر كان مرادفاً للزاهد والعابد والفقير( ).
وكلام كحالة بعيد عن الصواب، إذ لم يكن أول من تسمى بالصوفي كأبي هاشم الصوفي وجابر بن حيان، وعبدك، وذي النون من الزهاد أبداً لكنهم كانوا فقراء لأن صنعة الإكسير تتطلب ذلك.
يحكى أن واحداً سأل من مشايخ هذا الصنعة أن يعلمه هذا العلم وخدمه على ذلك سنين فقال أن من شرط هذه الصنعة تعليمها لأفقر من في البلد فأطلب رجلاً لا يكون أفقر منه في البلد حتى نعلمه وأنت تبصرها فطلب مدة مثل ما يقول الأستاذ فوجد رجلاً يغسل قميصاً له في غاية الرداءة والدرن وهو يغسله بالرمل ولم يقدر على قطعة صابون فقال في نفسه لم أر أفقر منه فأخبر الأستاذ فقال وجدت رجلاً حاله وصفته كيت وكيت فقال الأستاذ والله إن الذي وصفته هو شيخنا جابر بن حيان الذي تعلمت منه هذه الصنعة وبكى، قال أن من خاصية هذه الصنعة أن الواصلين إليها يكونون في غاية الإفلاس كما نقل عن الإمام الشافعي من طلب المال بالكيمياء أو الإكسير فقد أفلس( ).
قال في الأبجد: والفارابي القائل بإمكانها كان من أهل الفقر الذين يعوزهم أدنى بلغة من المعاش وأسبابه( ).
وليس غرض البحث أن يتحيز لموقف ابتداء في مسألة الربط بين الفقر والزهد والتصوف أو الفلسفة أو الصنعة.
لكنه أورد أمثلة لبيان أن التقاطع عند نقطة الفقر بين الزهد والتصوف قد يكون تقاطعاً عرضياً.
إن الزهد هو: قلة الرغبة في الشيء وإن شئت قلت: الرغبة عنه( ) فإلى أي مقدار كانت العلاقة قائمة بين الزهد الحقيقي والتصوف؟!

الزهد

لبيان العلاقة بين الزهد التصوف، لابد من العودة إلى حدِّ كل منهما ومعناه بحيث تظهر العلاقة بين الحدين والمعنيين. فإما أن تنبئ عن ارتباط إيجابي أو ارتباط سلبي.
ويبدأ البحث بحد الزهد لغة.
1- الزهد في اللغة.
قال في لسان العرب في مادة زهد : الزهد والزهادة في الدنيا، ولا يقال الزهد إلا في الدنيا خاصة، الزهد ضد الرغبة والحرص على الدنيا، والزهادة في الأشياء كلها ضد الرغبة،... وفي حديث الزهري وسئل الزهد في الدنيا فقال: أن لا يغلب الحلال شكره، ولا الحرام صبره.( )
وقال في مختار الصحاح: الزهد ضد الرغبة تقول زهد فيه، وزهد عنه من باب سلم وزهداً أيضاً، وزهد يزهد بالفتح فيهما زهداً وزهادة بالفتح لغة فيه والتزهد التعبد والتزهيد ضد الترغيب.( )
وقال في التعريفات: الزهد: في اللغة ترك الميل إلى الشيء، وفي اصطلاح أهل الحقيقة هو بغض الدنيا والإعراض عنها.( )
جاء في التنزيل في سورة يوسف: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ  ( )
قيل: المراد أخوته وقيل السيارة وقيل الواردة ،وعلى أي تقدير فلم يكن عندهم غبيطاً.( )
ونقل الشوكاني: عن سيبويه والكسائي قولهم قال أهل اللغة يقال زهد فيه أي رغب عنه وزهد عنه أي رغب فيه والمعنى أنهم كانوا فيه من الراغبين عنه لا يبالون به.( ) أما الزهد في الاصطلاح فقد وردت له عدة تعريفات تم اختيار التالي منها:
1- الزهد المشروع هو ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخر، وثقة القلب بما عند الله كما في الحديث الذي في الترمذي: ( ليس الزاهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق بما في يدك )( ) .
2- قيل لسفيان (بن عيينة) ما الزهد؟ قال: " أن تكون شاكراً في الرخاء صابراً في البلاء"( ).
3- وقيل لسفيان ما الزهد ؟ قال: " من إذا أنعم شكر، وإذا ابتلي صبر، قلت: (السائل) يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر، وابتلي فصبر، وجليس النعمة كيف يكون زاهداً؟ فضربني بيده، وقال من لم تمنعه النعماء من الشكر والبلوى من الصبر"( ).
4- قال ابن قدامة : "الزهد انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وشرط المرغوب عنه، أن يكون مرغوباً بوجه من الوجوه فمن رغب عن شيء ليس مرغوباً فيه ولا مطلوباً في نفسه لم يكن زاهداً كمن ترك التراب لا يسمى زاهداً، وأنه ليس الزهد ترك المال وبذله على سبيل السخاء والقوة واستمالة القلوب فحسب، بل الزهد أن يترك الدنيا للعلم بحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة " ( ).
قد خرج الزهد عن معناه الأصلي فصار في اصطلاح كثير من الناس الفقر حتى عبروا عن الزهد والعبادة والأخلاق بذلك. ويسمون من اتصف بذلك فقيراً وإن كان ذا مال ومن لم يتصف بذلك قالوا ليس بفقير وإن لم يكن له مال وقد يسمى هذا المعنى تصوفاً، ومن الناس من يفرق بين الفقير والصوفي، ثم من هؤلاء من يجعل مسمى الفقير أفضل، ومنهم من يجعل مسمى الصوفي أفضل، والتحقيق في هذا الباب أنه لا ينظر إلى الألفاظ المحدثة بل ينظر إلى ما جاء به الكتاب والسنة من الأسماء والمعاني والله قد جعل وصف أوليائه الإيمان والتقوى، فمن كان نصيبه من ذلك أعظم كان أفضل، والأغنياء بما سوى ذلك والله أعلم"( ) .
ومما تقدم يمكن استخلاص عدد من النقاط. تُشَكِلُ عناصر أساسية للزهد:
1- الزهد لابد أن يكون عن جدة، كما أن العفو الحقيقي لا يكون إلا عن مقدرة، وبالتالي لا يسمى من صبر عن الطعام ثلاثة أيام ثم تناول قشر البطيخ زاهداً لأنه لا يملك أحسن من ذلك( ).
2- لابد من إخلاص النية لله. عند ترك الشيء المزهود فيه سواء كان مالاً أو عرضاً آخر من أعراض الدنيا، فصاحب المال الذي يخرج ماله ليقال جواد ليس زاهداً إنما الزاهد الذي يخرج ماله ابتغاء مرضاة الله.
3 - لابد أن يصبر عندما يخرج العرض بسبب خارج عن إرادته. كمن فقد ولداً أو خسر مالاً ويحتسب ذلك عند الله تبارك وتعالى.
4 - أن يكون مطلوبه النهائي رضوان الله تبارك وتعالى. والأسوة الحسنة والقائد الموجه في ذلك هو الرسول الكريم  ، وخلفاؤه الراشدون من بعده.
ومما وجهنا إليه  الاعتدال في كل شيء، فمن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي  يسألون عن عبادة النبي  فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها فقالوا وأين نحن من النبي  قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله  فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني )( ) .
وعن سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ثم رد رسول الله  على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا( ).
واقتنى رسول الله  الخيل، وجمع الإمام ابن جماعة خيل الرسول ببيت فقال:
والخيل سكبٌ، لحيفٌ، سبحة، ظربٌ لزاز، مرتجز، ورد لها اسرارُ
وهذه السبعة متفق عليها كما يذكره ابن القيم في زاد المعاد.( )
كما اقتنى الحمير والإبل والمعز، وكانت له مائة شاة وكان لا يريد أن تزيد كلما ولد له الراعي بهمة ذبح مكانها شاة( ).
ومن هدية في اللباس أنه كان له بُردان أخضران، وكساء أسود،... وكان قميصه من قطن... وكان أحب الثياب إليه القميص والحبرة، وكان أحب الألوان إليه البياض، وقال  هي من خير ثيابكم فالبسوها وكفنوا بها موتاكم،( ) وكان غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربما لبسوا ما نسج من الصوف والكتان، وذكر أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح عن جابر ابن أيوب قال: دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف، وعمامة صوف فاشمأز منه محمد (ابن سيرين) وقال: أظن أن أقواماً يلبسون الصوف، ويقولون قد لبسه عيسى بن مريم، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي  قد لبس الكتان والصوف والقطن وسنة نبينا أحق أن تتبع. قال ابن القيم ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقواماً يرون أن لبس الصوف دائماً أفضل من غيره، فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره... ويتحرون رسوماً وأوضاعاً وهيئات يرون الخروج عنها منكراً، وليس المنكر إلا التقيد بها( ).
وكان هديه في الطعام أن لا يردَّ موجوداً ولا يتكلف مفقوداً، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم( ).
وكان في بيته يقوم على عمله، ويخدم أهله، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  : ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه ) قال أبو حاتم رضي الله عنه قوله  فدعوه يعني لا تذكروه إلا بخير( ).
وعن الأسود بن يزيد ثم سألت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي  يصنع في البيت قالت: كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج( ).
أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا حسين بن مهدي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة قال ثم قلت لعائشة يا أم المؤمنين أي شيء كان يصنع رسول الله  إذا كان عندك قالت : ما يفعل أحدكم في مهنة أهله يخصف نعله ويخيط ثوبه ويرقع دلوه، أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت ما كان النبي  يعمل في بيته قالت كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم( ).
فالوسطية واضحة جلية في حياته الخاصة والعامة  واليسر معلم من معالم رسالته، وبيان أن الدنيا محطة تزود للآخرة أس من أسس دعوته  .
وجماع ذلك يمكن أن يكون ظاهراً جلياً في قوله تعالى:  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ  ( ) .
قال ابن كثير: أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح فإن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً فآت كل ذي حق حقه وأحسن كما أحسن الله إليك أي أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك ولا تبغ الفساد في الأرض أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض وتسيء إلى خلق الله إن الله لا يحب المفسدين( ).
فالإتباع الحقيقي إنما يكون بإيثار الآخرة على الأولى لأن الآخرة خير  وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى  والأولى ليست رجساً، إذا أخذناها بحقها  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  ( ) وقد استنكر المولى سبحانه وتعالى على من يحرم الطيبات فقال جل من قائل:  قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  ( ).
والزهد الحقيقي أن تكون عضواً فاعلاً في المجتمع – تهتدي بهدي الله تبارك وتعالى وبهدي رسوله  – كما فعل صحابته الكرام. فقد آثر أبو بكر  الآخرة وأنفق ماله في مرضاة الله، في تحرير نفوس مؤمنة من العبودية وأنفق عثمان  ماله في تجهيز جيوش الإسلام، ولم يقعدوا عن العمل، فأبو بكر ذهب لطلب رزق أهله وهو خليفة، حتى قيل له في ذلك وفرض له فرض من بيت المال لقاء العمل الذي يقوم به وهو إدارة شؤون الدولة، هذا هو زهد خير القرون( ).
والعاقل من سار على نهجهم واستن بسنتهم. وجعلهم قدوة حقيقية له قولاً وعملاً.
وهذا أمرٌ مغاير من حيث الأصل لمسألة الجوع التي يركز عليها الصوفية باعتبارها أساساً للزهد فالجوع لم يكن في يوم من الأيام ممدوحاً بذاته، قال الله تعالى: وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ  ( ).
قال ابن كثير: هذا مثلٌ أريد به أهل مكة فإنها كانت آمنة مطمئنة يتخطف الناس من حولها ومن دخلها كان آمناً لا يخاف... فكفرت بأنعم الله أي جحدت آلاء الله عليها، وأعظمُها بعثة محمد  ... فأذاقها الله لباس الجوع والخوف: أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يُجبى إليهم ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغداً من كل مكان وذلك لما استعصوا على رسول الله  وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم .( )
وذكر ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى قال حدثنا أبو خيثمة قال حدثنا عبد الله بن ادريس عن ابن عجلان المغيري عن أبي هريرة قال: كان دعاء النبي  اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة.( )
ومن حديث أبي هريرة أن النبي  كان يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من الفقر وأعوذ بك من القلة والذلة) ( )...الحديث، وعن عبد الله بن مسعود أن النبي  قال : ( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)( ) ... الحديث، وكثيراً ما كان الرسول  يتعوذ من فتنة الفقر.
وهذا لا ينفي أن الرسول الكريم  جاع وجاع أصحابه وربطوا الحجارة على بطونهم من الجوع، لكن ما حصل له  ولأصحابه رضوان الله عليهم لم يكن مطلباً لهم ولا تعبدوا الله بذلك. إنما تعبدوه بالصبر على ذلك وهذا خلاف المتصوفة الذين يريدون جعل الجوع هدفاً يتوصل به إلى معرفة الله.
الزهد عند الصوفية

ليس ثمة صلة بين الزهد الإسلامي الصحيح الذي تمثل في سلوك القدوة القائد محمد  ، الذي مدحه الله تعالى بقوله:  {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( ) والذي بين أن من أهم أسس دعوته مكارم الأخلاق فقال  : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ( ) والذي وصفه أهل بيته بنحو ذلك في قول عائشة رضي الله عنها :أنه  كان خلقه القرآن( ).
ليس ثمة صلة بين زهده وزهد صحابته خير القرون من جهة وزهد الصوفية من جهة أخرى.
فزهده  وزهد صحابته انطلق من مقدمات شرعية صحيحة كما تم بيانه.
انطلق من الجدة ثم الإنفاق من هذه الجدة. فأبو بكر  يملك المال من مصادره الحلال ويقدم هذا المال كله في سبيل الله، وعمر  يقدم نصف ماله في سبيل الله، وعثمان  يتاجر ويكسب الربح الحلال، ويجهز بماله جيشاً كاملاً من أكبر جيوش دولة النبوة.
بينما الزهد المزعوم عند أهل التصوف ينطلق من منطلقات مختلفة في الأصول، يشهد لذلك أن عبد القادر الجيلاني افتتح مجلس الحديث عن الزهد بقوله: عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا شم رائحة طيبة سد أنفه وقال: هذا من الدنيا...إلى آخر الرواية عن عيسى بطولها( ).
أما نبينا محمد  فإنه عندما قال حُبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة( ) فكان يتناوله امتثالاً للأمر وامتثال الأمر الطاعة فكل من يتناول أقسامه (أي ما قسم الله له) على هذه الصفة فهو في طاعة وإن كان متلبساً بالدنيا كلها( ).
وهذا فيه مخالفة شرعية تتبين فيما يلي:
1- نبه الرسول الكريم إلى عدم الاستشهاد بكلام أهل الكتاب:
فعن جابر قال: قال رسول الله  : ( ثم لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني )( ) .
قال ابن حجر: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء) هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر أن عمر أتى النبي  بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني ورجاله موثوقون إلا أن في مجالد ضعفا وأخرجه البزار أيضاً من طريق عبد الله بن ثابت الأنصاري أن عمر نسخ صحيفة من التوراة فقال رسول الله  لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف واستعمله في الترجمة لورود ما يشهد بصحته من الحديث الصحيح وأخرج عبد الرزاق من طريق حريث بن ظهير قال: قال عبد الله: لا تسألوا أهل الكتاب فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل وأخرجه سفيان الثوري من هذا الوجه بلفظ لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل وسنده حسن( ).
وقد غضب  حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة وقال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا إتباعي ولولا أنه معصية ما غضب.
وقد أخرجه أحمد والبزار واللفظ له من حديث جابر قال نسخ عمر كتاباً من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي  فجعل يقرأ ووجه رسول الله  يتغير فقال له رجل من الأنصار ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله  فقال رسول الله  لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف ولأحمد أيضاً وأبي يعلى من وجه آخر عن جابر أن عمر أتى بكتاب أصابه من بعض كتب أهل الكتاب فقرأ على النبي  فغضب فذكر نحوه دون قول الأنصاري وفيه والذي نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني وفي سنده مجالد بن سعيد وهو لين وأخرجه الطبراني بسند فيه مجهول ومختلف فيه عن أبي الدرداء جاء عمر بجوامع من التوراة فذكر بنحوه وسمى الأنصاري الذي خاطب عمر عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان وفيه لو كان موسى بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالا بعيدا وأخرجه أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن ثابت قال جاء عمر فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال فتغير وجه رسول الله  الحديث، وفيه والذي نفس محمد بيده لو أصبح ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم وأخرج أبو يعلى من طريق خالد بن عرفطة قال كنت عند عمر فجاءه رجل من عبد آلاف فضربه بعصا معه فقال ما لي يا أمير المؤمنين قال أنت الذي نسخت كتاب دانيال قال مرني بأمرك قال انطلق فامحه فلئن بلغني أنك قرأته أو أقرأته لأنهكنك عقوبة ثم قال انطلقت فانتسخت كتاب من أهل الكتاب ثم جئت فقال لي رسول الله  ما هذا قلت كتاب انتسخته لتزداد به علماً إلى علمنا فغضب حتى احمرت وجنتاه فذكر قصة فيها يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي الكلام اختصاراً ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف وهذه جميع طرق هذا الحديث وهي وإن لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلاً والذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك بخلاف الراسخ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف ويدل على ذلك نقل الأئمة قديماً وحديثاً من التوراة وإلزامهم اليهود( ).
وتحديث الجيلاني ليس مجرد رواية خالية عن التصديق أو التكذيب، بل هي استشهاد لأنه قيد بها حديث الرسول  بأن الرسول حبب إليه الطيب بأمر شرعي..
2- هاجم الجيلاني من لم يأخذ برأيه في الزهد بقوة، فبعد أن ذكر قول عيسى وقيد حب الرسول للطيب بأنه قسمة من الله قد سبق به علم الله.
قال يا زهاد على قدم الجهل، اسمعوا وصدقوا ولا تكذبوا، تعلموا حتى لا تردوا على القدر بجهلكم، كل جاهل بالعلم مستغن برأيه، قابل كلام نفسه وهواه وشيطانه فهو عبد إبليس تابع له قد جعله شيخه.
يا جهالاً ويا منافقين ما أظلم قلوبكم، وما أكثر لقلقة ألسنتكم توبوا من جميع ما أنتم فيه، واتركوا الطعن في الله عز وجل وفي أوليائه الذين يحبهم ويحبونه، ولا تعترضوا عليهم في تناول الأقسام فإنهم متناولون بالأمر لا بالهوى.( )
وهذا خلط جلي من الجيلاني بين الأمر الكوني والأمر الشرعي وعلى أي تعليل فكلامه لا يكون إلا خطأ، فلو قصد الأمر الإلهي الكوني، فأمر الله لا راد له وكل الناس فيه سواسية فلماذا يخص به الأولياء ثم ما هو دليله عليه أصلا. ولا دليل .
ولو قصد الأمر الشرعي، فهذا يعني أنه قال بامتداد الوحي لأنه اعتبر أخذ الأولياء بما قسمه الله لهم، ولم يعتبر العامة كذلك بدليل أنه يأمرهم بالزهد في أماكن متعددة وفيها الخروج عن الأهل والأموال وهذا أيضاً خطأ عظيم والله أعلم.
3- إذا روجعت قصة إبراهيم بن أدهم الذي ترجم له أبو عبد الرحمن السلمي على أنه من سادات الطبقة الأولى من الصوفية تبدو فيها مسألة الزهد مغايرة لمنهج الرسول الكريم  .
4- يقول أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا العباس محمد بن الحسني الخشاب( ) قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري( ). قال حدثني أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز ( ) قال حدثنا إبراهيم بن بشار قال: صحبت إبراهيم بن أدهم بالشام أنا وأبو يوسف العسوبي وأبو عبد الله السنجاري فقلت يا أبا إسحق: خبرني عن بدء أمرك كيف كان؟ قال: كان أبي من ملوك خراسان وكنت شاباً فركبت إلى الصيد، فخرجت يوماً على دابة لي ومعي كلب فأثرت أرنباً أو ثعلباً، فبينا أنا أطلبه إذ هتف بي هاتف لا أراه فقال يا إبراهيم ألهذا خلقت؟! أم بهذا أمرت؟! ففزعت ووقفت ثم عدت فركضت الثانية ففعل بي مثل ذلك ثلاث مرات ثم هتف بي هاتف من قربوس( ) السرج والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، قال: فنزلت فصادفت راعياً لأبي يرعى الغنم، فأخذت جبته الصوف فلبستها ودفعت إليه الفرس وما كان معي وتوجهت إلى مكة، فبينا أنا في البادية إذ أنا برجل يسير ليس معه إناء ولا زاد، فلما أمسى وصلى المغرب حرك شفتيه بكلام لم أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام وإناء فيه شراب فأكلت وشربت وكنت معه على هذا أياماً، وعلمني اسم الله الأعظم، ثم غاب عني وبقيت وحدي، فبينا أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة دعوت الله به فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي، وقال: سل تعطه فراعني قوله فقال لا روع عليك، لا بأس عليك، أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم، فلا تدع به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة،...( )"
وفي هذه القصة المخالفات التالية:
1- تلقي إبراهيم بن أدهم عن نبي الله داود عليه السلام وداود قد مات.
2- مقابلة ابن أدهم للخضر والخضر عليه السلام قد مات.
3- سير نبي الله داود - بزعم ابن أدهم - على التوكل لم يحمل زاداً ولا إناءً.
فكان الله يطعمه ويسقيه حسبما يفيد فهم القصة، وبالتالي سلك هو نفس السلوك بعد أن علم اسم الله الأعظم، وهذا مخالف لهدي الإسلام، فالقرآن أمر بالتزود بقوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، والرسول الكريم  أمر بالأخذ بالأسباب قال  للأعرابي الذي سأله عن الناقة: اعقلها وتوكل( ).
فلا ينبغي للمسلم الذي يبحث في الدقائق، أن يتجاهل شرع رسوله  في الإتباع. ثم أكمل إبراهيم تعليمه من راهب نصراني كما ذكره شيخ السلمي أبو نعيم الأصبهاني( ) في حلية الأولياء.
حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يزيد حدثنا أبو حامد بن أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: سمعت بقية بن الوليد يقول سمعت إبراهيم بن أدهم يقول تعلمت المعرفة من راهب يقال له أبا سمعان دخلت عليه في صومعته فقلت له يا أبا سمعان منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال: منذ سبعين سنة قلت فما طعامك قال يا حنيفي فما دعاك إلى هذا قلت أحببت أن أعلم قال في كل ليلة حمصة قلت فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيه هذا الحمصة قال: ترى الدير بحذائك قلت نعم قال إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحداً فيزينون صومعتي ويطوفون حواليها ويعظموني بذلك فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة وأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد فوقر في قلبي المعرفة فقال حسبك أو أزيدك قلت بلى قال انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك فلما دخلت الدير اجتمعت النصاري فقالوا يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ قلت من قوته قالوا وما تصنع به نحن أحق به قالوا ساوم، قلت عشرين ديناراً فأعطوني عشرين دينارا فرجعت إلى الشيخ فقال يا حنيفي ما الذي صنعت؟ قلت : بعته قال بكم ؟ قلت : بعشرين دينارا، قال أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك هذا عز من لا يعبده فانظر كيف يكون عز من يعبده يا حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب والجيأة( ).
قال راوي الحكاية بعد هذه الحادثة بشهر انقطع إبراهيم عن الناس( ) أي أنه سمع نصيحة الراهب بالخلوة وترك الذهاب والمجيء.
وجعل أستاذه في مسألة الزهد والانقطاع عن الأسباب راهباً نصرانياً.
4- ونظرة في تعريفات القوم للزهد، تبين الاتفاق بين هذه التعريفات على نبذ الدنيا بالكلية بحيث تخرج هذه المعاني عن مفهوم الزهد لتتحول إلى معاني أخرى فلسفية،تم التأصيل لها من قبل أفلاطون وفيلون وأرسطو وغيرهم، حيث يرى هؤلاء أن تصفية النفس أمر ضروري ولابد منه لمن أراد أن يشرق في قلبه النور الإلهي ولا تكون هذه التصفية إلا بمخالفة المتطلبات الجسدية.
ومن هذه التعريفات :
‌أ- بسنده عن الجنيد سمعت السري يقول: إن الله سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم.( )
‌ب- القشيري سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الزهد أن تترك الدنيا كما هي لا تقول أبني رباطاً أو أعمر مسجداً ( ).
‌ج- ابن خفيف: الزهد سلوُّ القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي من الأملاك( ) وقال عبد القادر الجيلاني في الغنية: فينبغي للفقير أن تكون شفقته على فقره كشفقة الغني على غناه، فكما أن الغني يفعل كل شيء ويجتهد حتى لا يزول غناه، فكذلك ينبغي للفقير أن يفعل مثل ذلك حتى لا يزول فقره فلا يسأل الله عز وجل زوال فقره إلى غناه( ).
وقوله يخالف السنة النبوية التي علمنا إياها الرسول الكريم ، فمن أدعيته  (أللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)( ) .
‌د- سئل أبو يزيد بأي شيء وجدت المعرفة فقال: ببطن جائع، وبدن عار( ) فاعتبر الجوع والعري أساساً للمعرفة الإلهية، لا ترفعاً عن الدنيا للتقرب إليه بدليل قوله اللاحق العارف همه ما يأمله والزاهد همه ما يأكله( ).
‌ه- قال الجنيد ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات.
زيادة على ذلك فإن الجنيد لا يرغب للمريدين بالعمل لأن العمل يغير أحوالهم فقال: أحب للمريد أن لا يشغل قلبه بالتكسب وإلا تغير حاله( ).
وقال فلاسفة الصوفية أن الفقر أساس التصوف، ومنهم ابن عجيبة ونصه: الفقر أساس التصوف وبه قوامه، وروي عن رويم أنه قال: مبنى التصوف على الفقر( ).
ومتابعة تعريفات الصوفية للزهد والمجاهدة ومحاولات معرفة الله كلها تنبئ بوضوح بالخروج عن حد الزهد السني الذي بين منهجه الرسول الكريم  وأساسه التوسط في كل شيء مع وجود إشارة هداية واضحة تشكل ناظماً للمسلم وهي قوله تعالى:  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ .
ففي الآية الكريمة بيان أن الوجهة النهائية والهدف الأسمى هو الآخرة وأن الدنيا زاد لها. وأن آلية المسير هي الإحسان وهذا غاية البيان وغاية الوضوح وغاية الطموح لكل مؤمن. أن يكون مبتغاه جنة عدن يأخذ لذلك من الدنيا من غير سرف ولا تقتير. يسلك إلى ربه طريق المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم( ).
وقد نبه ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس لهذه المسألة فقال: فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف( ).
وإذا كان ابن الجوزي قد لاحظ الفرق بين الزهد والتصوف إلا أنه لم يتطرق إلى علاقة التصوف والجوع الصوفي بالفلسفة، وهذه مسألة أصبحت واضحة بينة. فالجوع الصوفي ليس من الزهد في شيء.
إنه جوع فلسفي أساسه مقاومة اللذات الحسية من أجل أن يظهر لهم نور الحكمة الذي يزعمونه فيهيمون بالنور الإلهي أو يتحدون به.

الفقر والجوع:

لا علاقة مطلقاً بين الجوع والفقر والتقشف الذي دعا إليه الفلاسفة من جهة وكبار الصوفية من جهة أخرى بالزهد الإسلامي.
إذ الزهد رغبة عن الدنيا بغية مرضاة الله تبارك وتعالى والفوز بالآخرة.
بينما الجوع الفلسفي محاولة إشراقية كاملة تهدف إلى الاتصال بالله من خلال كبت كل ما هو حسي، فقد سئل سهل بن عبد الله التستري عن النفس فقال: النفس سره ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا فرعون فقال أنا ربكم (الأعلى) ولها سبع حجب سماوية وسبع حجب أرضية فكلما يدفن العبد نفسه أرضاً أرضاً سما قلبه سماء سماء. فإذا دفنت النفس تحت الثرى وصلت بالقلب إلى العرش( ).
وقد طبق سهل هذا المنهج في كبح جماح نفسه: فانظر إليه يقول: ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصارا على أن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي... فكان يكفيني سنة ، ثم عزمت على أن أطوي ثلاثاً ثم أفطر ليلة ثم خمساً ثم سبعاً ثم خمساً وعشرين ليلة وكنت عليه عشرين سنة ( ).
وفي المبحث التالي آراء الفلاسفة في المسألة يليه مبحث آخر في كلام مشايخ الصوفية في ذلك.

الفقر والجوع عند الفلاسفة:

يرى الأستاذ محمد عبد الرحمن مرحبا في كتابه الموسوم من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية إن الإنسان هو في انفصال مستمر عن ذاته العضوية ومفارقة دائمة لها فتراه على الدوام يقفز فوق ذاته ويجد في طلبها كأنهما كائنان متمايزان فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يعيش خارج ذاته ولا تحده رقعة ذاته.... أجل هو الكائن الوحيد الذي يعلو على ذاته باستمرار ... لأنه عاجز على أن يبقى فيها لا يغادرها...إذ لا تحقق الشخصية ولا يكون للوجود الإنساني معنى إلا بالخروج من الذات والمفارقة المستمرة لها( ) أ.هـ.
وعليه: فالكائن الحي إنما تتحدد قيمته بتزايد المسافة بينه وبين واقعه المحسوس وتظل هذه المسافة تزيد وتزيد في الإنسان حتى لا يقيده مكان( ) وأهم وسيلة من وسائل هذا الخروج عن الذات أو المفارقة لها من أجل العيش خارج البعد الزماني للذات هي مقاومة ما يدفع إلى الانحباس فيها- كاللذات الحسية.
فأفلاطون يرى أن الفلسفة هي البصر بالخير والحق والجمال وتأملها وانتقاش القلب والسر بها، إنها ضرب من التصفية المستمرة للنفس وتفريغها من شواغل المادة والعالم المحسوس، والقيام على مجاهدتها وتطويعها وأخذها بالعلم والعرفان( ).
وقد عدد افلاطون مزايا الفيلسوف الحقيقي ومنها: أن يكون ميالاً إلى احتقار اللذات الجسدية غير مكترث بالمال... زاهداً في الحياة نابذاً للشقاء شجاعاً أمام الموت...( ) .
ويرى أفلوطين أن البدن سجن للنفس وهو أصل شقائها على هذه الأرض وأصل نقائصها وشرورها ولذلك فلن يقر لها قرار حتى تتخلص منه وتعود إلى مصدرها الأول (السماوي) ولكنها لن تصل إلى هذه الغاية دفعة واحدة فلا بد لها أولاً من التجرد من قيود الجسم والحس بالمجاهدة والتصفية والدأب على حياة الوجدان والروح( ).
وقديماً سئل سقراط عن السر في أنه لا يحزن: فقال : إنني لا أقتني ما أحزن على فقده( ) وكان سقراط يمشي حافي القدمين صيفا وشتاء وحتى في حملات الشتاء وكان يلبس نفس الثياب صيفا وشتاء وكان في غالب أمره مقلا من الطعام والشراب...وكانت أحيانا تنتابه نوبات صمت تستغرق يوما كاملا بنهاره وليله( ).
ولقد حول أفلوطين مقولته إلى عمل حيث عاش معيشة القديسين وسط ترف روما ورذائلها وبين ارستقراطيتها الماجنة المتهتكة فقد كان زاهدا متقشفا لا يبيح لنفسه أكل اللحوم ولا ينعم بالنوم إلا بقدر ما تضطره إليه الحاجة ولا يأكل من الطعام إلا ما يقيم الأود, وكان لا يعنى بجسمه بل كان يستحي إن يكون لروحه جسد على حد تعبير ( فرفوريوس) ( ) ويرى ( هرقليتس) أن الانغماس في اللذات وتأكيد الذات كل ذلك معارض لقانون الكون وإن القضاء على التأكيد الصارخ للذات أحوج من إطفاء النار ( ) ويرى (فيلون) أن تطهير النفس بالزهد والعبادة لا يزال يصعد بها من وسيط إلى وسيط حتى تبلغ الوسيط الأعظم, ولا يتم التطهير أو الصعود والعودة إلى الله إلا بالمجاهدة النفسية والتصفية والعلم والنجاة بالنفس من هذا العالم المتناهي عالم المادة ومصدره الشر.
وغاية الإنسان إنما هي الوصول إلى الله والاتحاد به والفناء فيه. ( )
ويرى أرسطو أن النفس لا تجد لذتها الحقيقية إلا في الفلسفة التي هي الأمر الإلهي في النفس, وليست النفس تجد سرورها في المطاعم ولا في المشارب ولا في اللذات الحسية , وما اللذة الحسية إلا جذوة تلتهب قليلا ثم تخمد والنفس العاقلة التي تصبو إلى الخلاص من عالم الحواس المظلم هي نور محض ينبعث إلى مدى بعيد ومن عرف نفسه في هذه الحياة كفلت له هذه المعرفة أن يدرك أن كل شيء يعلم خالدا, أي أن يكون هو نفسه خالدا( ).
ولعل مثل هذه الأقوال والنقول ماحدى بالمستشرق نيكلسون أن يقول في كتابه الصوفية والإسلام: (ولكنني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة التصوف بمعناها الدقيق استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي أو فارسي ولزم أن نعتبره وليدا لاتحاد الفكر اليوناني بالديانات الشرقية، وبعبارة أدق وليدا لاتحاد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والمذهب الغنوصي. ( ))
ورغم وجود مثل هذا الاتجاه الفلسفي الذي يحض على قهر لذات الجسد بقوة في الديانات الهندية، فإن توجه نيكلسون إلى استبعاد هذه الديانات والفلسفات من التأثير على التصوف المنسوب إلى الإسلام يعود إلى عدم الاختلاط الثقافي بقوة بين الثقافة الهندية والثقافة الإسلامية في حين كان الاختلاط قويا بين الثقافة اليونانية والثقافة الإسلامية خصوصا في العصر العباسي الأول .
وإلا فالحياة الروحية التي ينشدها حكماء الهند تعتمد بقوة على التجرد وترك حظوظ النفس وسكون السالك معرضا عن جميع المحسوسات واللذات الجسمانية مقبلا بكل تركيزه الفكري على التأمل المؤدي إلى الفناء.
يؤكد ذلك حياة الفارابي الذي عاش عيشة الزهاد حياته كلها فلم يقتن مالا ولم يتزوج وبالتالي لم يكن له ولد ويصفه ابن خلكان فيقول: كان يعيش عيشة قدماء الفلاسفة ( ).
ويقول الفارابي: ويجب إذا كنا نحن متلبسين بالمادة كانت هي السبب في أن صارت جواهرنا جوهرا يبعد عن الجوهر الأول ، إذ كلما قربت جواهرنا منه كان تصورنا له أتم وأيقن وأصدق وذلك أنه كلما كنا أقرب إلى مفارقة المادة كان تصورنا له أتم ، وإنما نصير أقرب إليه بأن نصير عقلا بالفعل ، وإذا فارقنا المادة على التمام يصير المعقول في أذهاننا أكمل ما يكون( ).
ويقول الكندي : وهذه النفس التي هي من نور الله عز وجل إذا هي فارقت البدن علمت كل شيء في العالم ولم يخف عنها خافية والدليل على ذلك قول أفلاطون (إن كثيرا من الفلاسفة الطاهرين القدماء لما تجردوا من الدنيا وتهاونوا بالأشياء المحسوسة وتفردوا بالنظر والبحث عن حقائق الأشياء انكشف لهم عالم الغيب وعلموا ما يخفيه الناس في نفوسهم واطلعوا على سرائر الخلق فإذا كان هذا هكذا والنفس بعد مرتبطة بهذا البدن في هذا العالم المظلم الذي لولا نور الشمس لكان في غاية الظلمة ،فكيف إذا تجردت هذه النفس وصارت في عالم الحق الذي في نور الله سبحانه) ( ).

الفقر والجوع عند الصوفية

وتتفق أو تكاد أقوال كبار الصوفية في هذا الاتجاه مع أقوال كبار الفلاسفة اليونان ومن أخذ عنهم حيث يزهدون بكل المحسوسات سواء في الدنيا أو في الآخرة ، فالآخرة حسب وعود الله تبارك وتعالى للمسلمين في القرآن الكريم هي قصور وجوار وأنهار وفاكهة وعسل وأعناب وهذه الأمور جميعها تخدم اللذات الحسية والقوم يريدون الترفع عن ذلك ، ولذلك زهدوا في الآخرة مع الدنيا .

ومن أقوالهم في هذا الخصوص :
1- بسنده أن رجلا سأل أبا يزيد البسطامي عن ابتداء زهده ؟ فقال : ليس للزهد منزلة ، فقلت لماذا ؟ قال : لأني كنت ثلاثة أيام في الزهد فلما كان الرابع خرجت منه ، اليوم الأول زهدت في الدنيا وما فيها واليوم الثاني زهدت في الآخرة وما فيها واليوم الثالث زهدت في ما سوى الله فلما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله فهُمت فسمعت هاتفا يقول : يا أبا يزيد لا تقوى معنا ، فقلت هذا الذي أريد فسمعت هاتفا يقول : وجدت وجدت( ).
وسئل أبو يزيد :بأي شيء تلقيت المعرفة؟ قال : ببطن جائع وبدن عار.
وذكر أبو حامد الغزالي قصة عن أبي يزيد جاء فيها قول أبي يزيد:(أدخلني الله في الفلك الأسفل فدوَّرني في الملكوت السفلي وأراني الأرضين وما تحتها من الثرى ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوف بي في السماوات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش وأوقفني بين يديه فقال: سلني أي شيء رأيته حتى أهبه لك فقلت يا سيدي ما رأيت شيئا أستحسنه فأسألك إياه( ).
ونقل أبو حامد أنه قيل لأبي يزيد : حدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك فقال: نعم دعوت نفسي إلى الله فجمحت علي فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك( ).
2- قال عبد القادر الجيلاني : وأما الدنيا فرأيتها فانية زائلة ذاهبة قاتلة خادعة فأنفت من السكون إليها والوقوف معها لسرعة ذهابها ، وأما الآخرة فوقفت عندها ساعة فظهر عندي عيبها وهو كونها محدثة مشتركة ورأيت أن الله قد أعد فيها شهوة النفس وما تلذ به الأعين وهو قول الله عز وجل ( وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ) .
قلت : فأين شهوة القلب فأعرضت عنها إلى مولاها وبارئها وخالقها المحدث لها( ).
ومرضت رابعة العدوية فسئلت عن سبب مرضها فقالت: والله ما أعرف لعلتي سببا غير أني عُرضت علي الجنة فملت بقلبي إليها فأحسب أن مولاي غار علي فعاتبني فله العتبى ( ).
وقال الغزالي: وأغلب البواعث باعث البطن والفرج وموضع قضاء وطرهما الجنة فالعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء ،ودرجته درجة البله و أما عبادة ذوي الألباب فإنها لا تجاوز ذكر الله والفكر فيه حباً لجماله وجلاله، وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة فإنهم لم يقصدوها بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه... ويسخرون ممن يلتفت إلى الحور العين( ).
وقال أيضاً: إن من يعبد الله لطلب الجنة أو للحذر من النار فهو لئيم، وإنما مطلب القاصدين إلى الله أمر أشرف من هذا، ومن رأى مشايخهم وبحث عن معتقداتهم وتصفح كتب المصنفين منهم فَهِمَ هذا الاعتقاد من مجاري أحوالهم على القطع( ).
وبوّب في كتاب الإحياء باباً ببيان فوائد الجوع وآفات الشبع ذكر فيه للجوع عشر فوائد واستشهد لبعض هذه الفوائد بكلام أبي سليمان الداراني (عليك بالجوع فإنه مذلة للنفس ورقة في القلب وهو يورث العلم السماوي) .
ثم استشهد بحديثين عن رسول الله  :
الأول: " أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفو وترق".
الثاني: " من أجاع بطنه عظمت فكرته. وفطن قلبه ".
قال الحافظ العراقي عن الحديثين لا أصل لهما.
ونقل عن الشبلي قوله: ما جعت لله يوماً إلا رأيت في قلبي باباً مفتوحاً إلى الحكمة ما رأيته قط.
قال الغزالي بعد ذلك. وليس يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار بحقائق الحق.
والشبع يمنع منه والجوع يفتح بابه والمعرفة باب من أبواب الجنة فبالحري أن تكون ملازمة الجوع قرعاً لباب الجنة( ).
ونقل الغزالي آثاراً عن الأنبياء السابقين بفضل ترك الدنيا منها:
روي بأن المسيح عليه السلام مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة فأيقظه وقال: يا نائم قم فاذكر الله، فقال: ماذا تريد مني إني تركت الدنيا لأهلها فقال المسيح: فنم إذن يا حبيبي.
ومرَّ موسى عليه السلام برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة، ووجهه ولحيته في التراب وهو مؤتزر بعباءة: فقال: يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع, فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبد بوجهي كله زويت عنه الدنيا كلها( ).
قال أبو القاسم القشيري في رسالته: فإن أرباب السلوك تدرجوا في اعتياد الجوع والإمساك عن الأكل، ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع( ).
ثم أورد قصصاً على جوع القوم منها: أن سهلاً بن عبد الله كان لا يأكل الطعام إلا في كل خمسة عشر يوماً.
وقال يحيى بن معاذ لو أن الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره.
وبسند ذكره القشيري إلى أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع.
وقال أبو علي الروذباري: إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق وأمروه بالكسب.
وقال سهل التستري: لما خلق الله الدنيا جعل في الشبع المعصية...وجعل في الجوع العلم والحكمة( ).
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: والمريد المتصوف مكابد لنفسه وهواه وشيطانه وخلق ربه ودنياه وأخراه متعبد لربه عز وجل بمفارقة الجهات الست والأشياء، وترك العمل لها وموافقتها، والقبول منها وتصفية باطنه من الميل إليها والاشتغال بها فيخالف شيطانه ويترك دنياه ويفارق أقرانه وسائر خلق ربه بحكمه عز وجل لطلب أخراه. ثم يجاهد نفسه وهواه بأمر الله عز وجل فيفارق أخراه وما أعد عز وجل لأوليائه فيها من جنة لرغبته في مولاه. فيخرج من الأكوان فيصفى من الأحداث ويتجوهر لرب الأنام فتنقطع منه العلائق والأسباب.. فتنسد عنه الجهات وتنفتح في وجهه جهة الجهات... ثم يجلس على كرسي التوحيد ثم يرفع عن الحجب ويدخل دار الفردانية ويكشف عنه الجلال والعظمة فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فانيا عن نفسه وصفاته عن حوله وقوته وحركته وإرادته ومناه ودنياه وأخراه ( ).
وقال الجيلاني أيضا: يا غلام اقرن الدنيا بالآخرة واجعلهما في موضع واحد وانفرد بمولاك عز وجل عريانا من حيث قلبك بلا دنيا ولا آخرة, لا تقبل عليه إلا متجردا مما سواه يا غلام لا تكن مع النفس ولا مع الهوى ولا مع الدنيا ولا مع الآخرة( ).
ويقول: يا غلام... المؤمن الموقن العارف له عينان ظاهرتان وعينان باطنتان فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق لله عز وجل في الأرض ويرى بالعينين الباطنتين ما خلق الله في السماء ثم يرفع الحجب عن قلبه فيراه بلا تشبيه ولا تكييف فيصير مقرباً محبوباً، والمحبوب لا يُكتَمُ عنه شيء( ).
قال الإمام ابن الجوزي: " ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي، ثم جاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها، من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق... إلى أن قال ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه فكأنهم تخايلوا شخصاً مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة. ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق ففسدت عقائدهم فمن هؤلاء من قال بالحلول ومنهم من قال بالاتحاد( ).
وفي هذا النص حسن ظن من ابن الجوزي ببعضهم – فمن دفعه الجوع إلى عشق الله هو صاحب خيالات فاسدة كما قال ابن الجوزي. ولكن الأمر يبدو أكبر من ذلك عندما نربط بين مقولاتهم ومقولات الفلاسفة. وعندما نعلم أن الغالبية العظمى من أرباب هذه الطرق كانوا فرساً. وقد ذكر ابن الجوزي أن الفرس عندما عجزوا عن محاربة الإسلام بالسيف لجأوا إلى الحرب الداخلية من خلال الانتماء إلى هذا الدين ثم بث المذاهب الفاسدة فيه فقال عن الباطنية: "... ورأوا أن أمر محمد  قد استطار في الأقطار وأنهم قد عجزوا عن مقاومته فقالوا، سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلاً وأتحفهم رأياً وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب وهم الروافض فنتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بالظواهر أحمق، وإنما الفطنة باعتقاد بواطنها ثم نبث إليهم عقائدنا"( ).
وإن كان كلام ابن الجوزي عن الباطنية والرافضة فإنه ينطبق بشكل كبير على كبار الصوفية حيث سلكوا في أنفسهم مسالك الفلاسفة. وأمروا الأتباع بالجوع دون أن يظهر لنا أنهم عللوا ذلك فلسفياً.
بل إنهم حاولوا أن يؤصلوا لهذا الجوع شرعياً فوضعت الأحاديث لذلك.
ومنها على سبيل المثال:
قال  : "خير هذه الأمة فقراؤها وأسرعها تضجعاً في الجنة ضعفاؤها"( ) وقال  : " إن لي حرفتين اثنتين فمن أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني الفقر والجهاد"( ).
أما الحديث الأول فقد ذكره أبو حامد أيضاً في الإحياء، وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 4/168 لا أصل له وذكره العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة وقال لا أصل له.
والحديث الثاني ذكره الحافظ العراقي أيضاً وقال هذا الخبر منكر، وقال ابن حجر في سنده عثمان بن سعيد الفريابي و شيخه... إلى أن قال وذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة وقال: وفيه ثلاثة كذابين.

عبد الرحمن نموس غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 03:52 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir